اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
429
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
أن ينتج إلّا عن معرفة مباشرة بها فضلا عن أنه يكشف في هذا الصدد كما هو الحال دائما عن قوة ملاحظة خارقة 103 . ولا تزال مستعصية على الحل مسألة حقيقة زيارته للصين ، وكما قال مجيك Mzik فإنها لم تنضج بعد للحل 104 ويجب أن يترك الباب مفتوحا لها 105 ؛ ولا يزال إجماع الآراء أكثر ميلا إلى القول بأن ابن بطوطة لم يزر الصين . ويقرر شيفير Schefer أن القليل من رواياته عن الصين يستأهل الاهتمام 106 ولو أنه يجب الاستدراك على هذا بأن رواياته عن الصين ليست بالقليلة العدد 107 . وقد وصل فيران Ferrand وهو خير خبير في الأدب الإسلامي عن الشرق الأقصى إلى نتيجة مؤداها أن ابن بطوطة لم يزر الهند الصينية ولا الصين بل لفق روايته عنهما دون توفيق يذكر من مصادر مختلفة 108 . وكما بينا من قبل فإن ابن بطوطة لا يكشف بوجه عام عن معرفة جيدة بالأدب الجغرافي ، وإذا ما سلمنا جدلا بالفرض القائل بأن ابن بطوطة إنما اعتمد في وصفه على القصص التي سمعها من الآخرين فثمة تفاصيل معينة تجعل من العسير علينا التسليم التام بهذا الفرض ، فمثلا من الصعب القول بأن ابن بطوطة من غير أن يزور الصين قد وجد أن هناك ما يضطره إلى القول بأنه قد التقى فيها برجل من أهل سبتة ثم يذكر اسمه بالتفصيل كما يذكر أيضا أنه قابل أخا لذلك الشخص نفسه بالسودان الغربى 109 . مما لا ريب فيه أن الكلام يدور هاهنا عن شخصيات حقيقية كانت معروفة للكثيرين بمراكش عند رجوع ابن بطوطة إليها فلم يكن بوسعه إذن أن يفكر في تعريض سمعته للثلب من أجل دافع تافه كهذا . ومنذ عهد ليس بالبعيد توصل البحاثة اليابانى ياماموتو Yamamoto إلى رأى حول رحلة ابن بطوطة في الشرق الأقصى لا يبلغ في شدته الرأي الذي خرج به فيران . فهو يقول : « إنه لمن العسير القول بأن جميع حكايات ابن بطوطة عن الصين هي من نسج الخيال وحده . حقا إن وصفه المفصل لتلك البلاد يشمل عددا من النقاط الغامضة ولكنه لا يخلو أحيانا من فقرات معينة تعتمد على ملاحظة مباشرة عن الصين ، فضلا عن أنه من المستحيل القول بأن رواياته التي وجدت توكيدا في المصادر الصينية وفي أسفار ماركوبولو قد كانت من تلفيق مخيلته » 110 . ولاعتبارات ذات طابع عام أخضع ياماموتو رواية ابن بطوطة عن بلاد طوالسى الغامضة لتحليل دقيق ؛ ولنذكر عرضا أن رواية ابن بطوطة عنها قد جرت عليه سخرية بعض البحاثة ، فالعلامة يول Yule مثلا قال عنها في زمنه « يجب البحث عن تلك البلاد في صفحات الأطالس التي تحتوى الخارطات البحرية مما رسمته يد الطيب الذكر القبطان غليفر » 111 . - - وعلى الرغم من هذا فإن عددا من البحاثة ممن لم يصل بهم التشكك إلى الدرجة التي بلغها عند يول قد حاولوا العثور على هذه الجزر فبحثوا عنها في جزيرة بورنيو 112 وفيما بين اليابان وشامبا الواقعة في كوشين صين 113 ، وأخيرا وضعوها في تونكين 114 ؛ وقد ساق ياماموتو حججا قوية للتدليل على أن طوالسى إنما هي شامبا 115 بعينها التي كانت تقع بلا شك على الطريق بين الهند والصين 116 . ولعل ابن بطوطة كان ضحية القصص الخرافية التي رواها له المترجمون المحليون 117 عن